أحمد بن علي الرفاعي الكبير
37
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى
فكلامهم هو الكشف عما يشاهده القلب ، وإظهار علوم السر ، وبيان معاملة الضمير ، من تمييز الانفصال عن الاتصال ، وبيان الأسباب الشاغلة عن الحق ، من الأسباب الداعية إلى الحق . أما الداعي إلى الخلق : فالدنيا ، والنفس ، والخلق . وأما الداعي إلى الحقّ : فالعقل ، واليقين ، والمعرفة ، كما ورد : « من عرف نفسه عرف ربّه » « 1 » . يعني من عرف ما لنفسه ، عرف ما لربه . وكلامهم يدور على خمسة أوجه : به ، وله ، ومنه ، وإليه ، وعليه . وليس في كلامهم : أنا ، وإني ، ونحن ، ولي ، وبي . لأن ألفاظهم فردانية ، وحركاتهم صمدانية ، وأخلاقهم ربانية ، وإرادتهم وحدانية ؛ لا يعرف إشارتهم إلا من له قلب حريق ، فيه خزائن الأسرار ، وجواهر القدس ، وسرادقات الأنوار ، وبحار الوداد ، ومفاتيح الغيب ، وأودية الشوق ، ورياض الأنس ، فكلما أبرز العارف لسان الحكمة ، من ينبوع المعرفة بإشارات : استأنس بها قلوب المريدين والمشتاقين . قال يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى : القلوب كالقدور ، ومغارفها الألسن ، فكل لسان يغرف لك ما في قلبه . وقيل لأبي بكر الواسطي - رحمه اللّه تعالى - ما تقول في كلام أهل المعرفة ؟ . فقال : إنّ مثل المعرفة ، كمثل سراج في قنديل ، والقنديل معلّق في بيت ، فما دام السراج في البيت ، يكون البيت مضيئا ، وربما يفتح الباب فيقع ضوء السراج خارج البيت ويضيء . كلام أهل المعرفة يقع ضياؤه على قلوب أهل النور ، فتصير أعينهم دامعة ، وألسنتهم ذاكرة ، يقول اللّه تعالى : وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 83 ) [ المائدة : 83 ] . مثل نفس العارف كمثل البيت ، ومثل قلبه كمثل القنديل ، دهنه من اليقين ،
--> ( 1 ) انظره في المصنوع للقاري ( ص 189 ) ، وكشف الخفاء ( 2 / 343 ، 344 ) .